استشارات تربوية موضوعها: السرقة

(1) (2)

داء السرقة..طيف الوسواس

السؤال
السلام عليكم ورحمة الله.. مشكلتي أن أخي الأصغر(16سنة) يعاني من مشكلة السرقة (مال) من أفراد العائلة... مع أن كل من في البيت يوفِّر له جميع احتياجاته، وقد نشأ في بيت متدين والحمد لله، وهو يصلي، لكنه غير مجتهد في دراسته.. ويأخذ مصروف دائمًا، ولكن من فترة إلى أخرى نكتشف أنه قام بالسرقة من أحد أفراد العائلة، وقد تكرَّر هذا أكثر من 6 مرات، وفي كل مرة يبكي بحرقة، ويقول إنه لا يشعر عندما يتصرف كذلك، ولا يدري لماذا يسرق، ويطلب السماح، لكنه يعاود الكرة.مع العلم أنه في آخر مرة كان لديه مبلغ كبير من المال وغير محتاج ألبتة للقيام بالسرقة.أرشدونا كيف لنا أن نتعامل معه، وهل يجب عرضه على طبيب؟ هل عنده مرض السرقة؟ وقد قمت بالكتابة لكم لما في موقعكم هذا من تميز وانتقاء، لكن لي طلبًا أن تحافظوا على سرية بياناتنا لما لهذا الموضوع من حساسية.. إننا في أمس الحاجة لعلاج أخي.
الإجابة
إذا صحَّ الوصف الذي تذكره في رسالتك في أن أخاك لا يشعر عندما يسرق، ولا يدري لماذا يسرق، وأن لديه مبلغًا كبيرًا وغير محتاج ألبتة للسرقة، فالأمر يحتاج إلى العرض على الطبيب النفسي؛ لكي يحصل على التفاصيل الدقيقة من أخيك، ويتأكد من خلال المواجهة المباشرة مع أخيك أن شعوره بالرغبة في الحصول على المال يكون بصورة قهرية لا يستطيع ردها، وأنه لا يستفيد بهذا المال بعد الحصول عليه؛ لأن هذه من أهم المحكَّات في تشخيص داء السرقة؛ لأنه لا يكفي أن يذكر الطفل أو الشاب أنه لا يشعر بذلك؛ لأن بعضهم يلجأ لهذا الدفاع لتبرئة نفسه.
والكثير من الحالات التي عُرِضَت عليّ، وكان الأهل يعتقدون أن أولادهم يعانون من داء السرقة في الغالب لم تكن كذلك؛ لأن البعض اكتسبها كعادة وجَّهها إليه البعض في صغره، والبعض كان يفعلها كرد فعل للقسوة التي يتعرض لها في المعاملة، والبعض يفعلها لجذب الانتباه لاحتياجه المادي…
ما نودّ أن نقوله هو أن الأمر يحتاج لحسمه إلى العرض على الطبيب النفسي؛ لأنه إذا ثبت هذا التشخيص فإن الأمر قد يحتاج إلى علاج دوائي بجانب العلاج النفسي؛ لأنه يعتبر أحد أطياف الوسواس، أما إذا كان هناك أسباب أخرى لهذا الأمر، فالأمر أيضًا يحتاج للعلاج السلوكي حسب السبب الذي يكتشفه الطبيب النفسي.


أعلى

مراعاة الاحتياجات يعالج السرقات

السؤال
ابني عمره 9 سنوات والحمد لله، يعيش في أسرة مستقرة والحالة المادية والحمد لله ممتازة، ولكنه قد أخذ أموالاً من خزانة أبيه دون علم أحد، والمبلغ كبير وصل إلى مائة دينار تقريبًا، ولكن على عدة مرات، وليس مرة واحدة، في المرة الأولى وزَّع على أصحابه وذهب معهم إلى الملاهي، مع أنه ليس محرومًا من أي شيء؛ وذلك لإبراز مكانته أو بالأحرى ليثبت مكانته؛ لأن أصحابه بالمنطقة أكبر منه سنًّا (حوالي من سنة إلى سنتين)، وفي المرة الثانية عندما أخذ الفلوس ووزَّعها على أولاد عمه، وصار يشتري دخانًا معهم، ولكن أولاد عمه أتوا لقضاء إجازة وليسوا مقيمين، وبعدها علمنا من أخته الأكبر منه بثلاث سنوات، وهي الأقرب له، مع العلم بأن ابنة عمه وهي مقيمة معنا في نفس العمارة، وتؤثِّر عليه بدرجة كبيرة، وهي التي قالت له بأن يأخذ الفلوس، وهي في مرة من المرات أخذت المفتاح من عمر وفتحت الخزانة وأخذت الفلوس، وهي لم تأخذ من بيتها؛ لأنها تخاف كثيرًا من أبيها، ونحن لم نلاحظ لأن الخزانة في غرفة الأولاد، وفيها الأوراق المهمة وغيرها - هي خزانة كبيرة محكمة من خشب قوي نحفظ فيها الأشياء المهمة والمفتاح معي ومع الأب فقط - ولكنه عَلِم مكان المفتاح.
وغير ذلك أشعر بأنه ذو شخصية ضعيفة أمام أصحابه بالمنطقة، ربما لأنه الأصغر، لكنه في البيت متمرد، وبالعامية لسانه طويل، ولا يسمع الكلام بالمرة، ولا بأي طريقة، مع العلم بأنه حنون جدًّا، يذهب عمر مع أبيه إلى المحل الذي يقع في وسط المدينة، حيث إن هناك الناس من مختلف الطبقات، وأين ما توجد مشكلة بين الناس في السوق يذهب رغم أن أباه أخبره بأن لا يذهب، لكنه يذهب، وقبل فترة تسبَّب في مشكلة في المدرسة مع ولد في صفِّه، والمشكلة أصلاً بين ولدين، ووقف عمر مع أحد الأولاد ضد الآخر، وصارت المشكلة معه، وهجم عليه وضربه، مع العلم أنه دائمًا يأتي مضروبًا وليس الضارب، وهو على فكرة كتوم جدًّا، ولا يخبرنا بما يحدث معه، ولكن نحن ندري من الآخرين من أخته مثلاً؛ لأنها قريبة منه، ولكن ليس كثيرًا، ومن مدرسته.
وهو في المدرسة ليس جيدًا، وهو لعوب في الحصة، ولا ينتبه إلى المدرِّسة، ولا يحب الدراسة وحلَّ الواجبات، ولا يحلُّ واجباته إلا بعد جهد جهيد، وعلى فكرة حصلت مشكلة في المنطقة، وهي تكسير زجاج سيارة، وقال أطفال المنطقة إنه عمر الذي من فعل ذلك، مع العلم أن عمر لم يكن في المنطقة ذلك اليوم، ورغم ما قاله أصدقاؤه عنه، يذهب ويتحدث معهم ويكون هو البادئ بالحديث، ومرة يشتري "شيبسي" من الـ"سوبر ماركت"، فيطلبون منه أن يطعمهم بالقوة، ورغم أن حالتهم المادية ليست سيئة، لكن هو أحسن منهم جميعًا في الحالة المادية في جميع المنطقة.
والعائلة والحمد لله مثقفة، فالأب مثقف، والأخ طالب جامعي، وكذلك الأخوات كلهم في الجامعات، وفي أحسن المدارس، ولديه أخ يصغره بست سنوات، أي عمره ثلاث سنوات يحاول تقليده فإني أخاف عليه أيضًا، أريد أن أعلمكم بأن مشكلة السرقة قامت أخته الكبرى وهي طالبة في كلية الهندسة، وأخوه الأكبر وهو طالب جامعي في تخصص تسويق، وعمر يخاف منه قاما بالتحدث معه والبيان له أن هذا سرقة، ولا يجوز إدخال أي أحد إلى البيت دون إذن، وأننا سوف نخبر والده، فلم يسرق مرة أخرى والحمد لله، مع العلم بأنه لا يخاف والده كثيرًا، وأبوه لا يحرمه شيئًا، ولكن إلى حد ما كل شيء بحساب من حيث الفلوس، ولكن أباه إذا أخطأ فإنه يضربه، هذا ما عندي، وأعتذر لطول الرسالة، ولكن إني أنتظر الرد على أحرِّ من الجمر؛ لأنني لا أدري ماذا أفعل؟ ولكم جزيل الشكر.
الإجابة
أختي الفاضلة "أم سالم" و عليكم السلام و رحمة الله وبركاته يسعدني أن أرى أمًّا في مثل وعيك تتحدث بصراحة عن مشكلة ولدها وتطلب المساعدة. الواقع أن "عمر" لديه مشكلة فعلاً، ولكن ليست هي السرقة، بل إن السرقة هي نتيجة لمشكلة أخرى..
لنتذكر أولاً أن عمر قد بلغ (تسع سنوات)، أي أنه أصبح في سن المشاكسة، والتمرد، والاستعراض اللفظي، وهو سن يستعد فيه الطفل أيضًا لمرحلة المراهقة، ويبدأ فيه بالشعور بشيء من عدم الاستقرار، ويقال إن السرقات بين الأطفال تبلغ ذروتها في هذه السن، ثم تبدأ بالتناقص بعد سن العاشرة، مع وضوح التطور الذهني، والانفعالي، والحس الاجتماعي بالآخرين، وفهم معاني الملكية الخاصة، لكن علينا بكل الأحوال ألا نترك مشكلة كهذه تمر هكذا، فلنبدأ إذن أنا من جهة، وأنت وأبو سالم من جهة أخرى؛ لنحتضن عمرًا، ونمنحه المزيد من المشاركة الوجدانية، والحوار، والاهتمام، والتفهم.لذلك أدعوكما "يا أيها الوالدين الكريمين": - لإحكام السيطرة على عواطفكما الانفعالية والتخفيف من حدَّة السيطرة، والغضب، وعدم المبالغة بالصدمة، والاندهاش، والصراخ، وتضخيم الحدث كأنه ارتكب حرامًا وفضيحة بين إخوته وأقاربه، فهذا الأسلوب سيضعف من علاقته بوالديه - بكما - وبالتالي لن تعودا ملاذًا آمنًا في نظره، فهو بحاجة إلى تعاطفكما وتفهمكما لحاجاته، وثقتكما به في هذا الوقت أكثر من أي وقت مضى، وهذا لن يكون إلا إذا تمكَّنتما من فهم لماذا يحدث ما يحدث، وماذا يحتاج منكما طفلكما في هذه المرحلة، وهذا ما شرحته، ويبقى الآن سيدتي أن نعرف معًا لماذا يسرق الأطفال في هذه السن؟
يرجع هذا السلوك"السرقة"إلى عدد من العوامل:
أولاً: عدم النضج: وذلك عندما تظهر عند الطفل عدم القدرة على الحكم الأخلاقي، فلا يميز الطفل بين السرقة والاستعارة، ويميل إلى البحث عن إشباع للذَّة يريدها الآن، ولا يقدر على تأجيلها.
ثانيًا: حب استثارة الغير، وإثبات هيبته، وقوة شخصيته، خاصة إذا كانت شخصيته ضعيفة كما تقولين، وليكسب احترام الأصدقاء، وليثبت براعته وقوته.
ثالثًا: الحرمان العاطفي: والغريب اندفاع بعض الأمهات والآباء بشدة حينما أقول لهم إن ولدكم بحاجة للحنان - للدفاع عن أنفسهم وكأنني أواجههم بتهمة -، المتمثل في أشياء بسيطة جدًّا مثل القُبْلة قبل النوم، وعند المدرسة، والابتسامة، والتواصل الجسدي بوضع اليد على الرأس أو الكتفين أثناء الحديث معه، وتشجيع إيجابياته، والنقاش معه بهدوء في مشاكله اليومية، وخروجه مع والديه في سهرة خاصة، وإعطائه الأهمية والأخذ برأيه.. يا الله.. كم نغفل عما لا يكلفنا عبئًا، ويكلفنا إهماله اضطراب أبنائنا!!
رابعًا: احتمال وجود نقص كبير في حياته، و هذه مهمة الأبوين بالذات "البحث عن هذا النقص الذي يحاول الطفل تعويضه بالسرقة، وأحيانًا يكون السبب غياب الأب عن ساحة التواجد اليومية في حياة الطفل، وفقدان الاحترام والمودة بين الطفل والأب، حتى وإن كان الفقد جزئيًّا بعلو هيبة شخص آخر كأخيه مثلاً في نفس الطفل مكانة أبيه.
خامسًا: رغبة الطفل في الانتقام من أحد أبويه، خاصة إذا منع من شيء كان يرغب به بشدة.
سادسًا: قد تكون السرقة علامة على التوتر الداخلي في محاولة لاستعادة شعور داخلي بالارتياح، وقد يكون شعوره بالإحباط متدنيًّا جدًّا، ويسعى لمنح نفسه بعض الشعور بالنجاح.
هذه أسباب قد يكون لدى عمر أحدها أو اثنين منها؛ ولهذا علينا النظر جيدًا في ذلك لتحديد السبب الذي كان وراء وقوعه في هذه المشكلة.
والآن أختي الأم الكريمة.. أخي الأب الكريمة لنتابع معًا بعد أن فهمنا لماذا أقدم طفلنا على هذا الأمر، وماذا يحتاج منا لتجاوزه معنويًّا، وهذه بعض مقترحات العلاج ومحاولة تطبيق ما يناسب حالة طفلنا العزيز:
= اجتهدا في تنمية علاقة حميمة دافئة مع الطفل؛ لأنه سيحرص على إرضائكما إذا أحبكما، فإن المحبَّ لمن يحب مطيع - كما قال الشاعر -.
= تنمية مراقبة الله عز وجل في نفسه باصطحابه للمسجد، وخرطه في درس ديني مع معلم محبوب، هادئ الطبع، خلوق، ذو خبرة في التعامل مع هذا العمر، ويا حبذا لو كان من سن أخيه بحيث يتسنَّى له أن يتخذ منه صاحبًا وقدوة.
= تعمُّدا إظهار خلق الأمانة أمامه، وإعادة الأشياء إلى أصحابها، وإبراز السعادة التي يشعر بها عند القيام بذلك، عن طريق الحكايات خصوصًا حكايات قبل النوم، وقصص الأمانة التي وردت في التراث الإسلامي والعربي، وخاصة من كانوا في مثل عمره، فهو سيحاول التوحُّد معهم وحذو حذوهم، ويمكنكما أيضًا في بعض المواقف التي لا يعلم فيها إن علمتما بأخذه لشيء معين أن تتجاهلا فعلته، وتأتيان إليه وتقولان: "يا لك من ولد أمين لقد وجدتها وتستعد لإعادتها"، هيا كم يدخلني الفخر، وأنا أتباهى بأمانة ولدي الذي أدعو الله أن يحميه.
= أبعدا المغريات من أمامه مؤقتًا؛ ففي الحديث: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا..".
= مواجهة الطفل لفظيًّا - دون تهديد بالضرب - وتوضيح مخاطر هذه السلوكيات، وإظهار رفض الأسرة لهذا بتصرف، مع إظهار الأب للابن أنه يتفهم الدافع وراء السرقة مثل قوله: (أنا أعرف أن المبلغ مُغْرٍ جدًّا وتتمنى أن تحصل على مثله..)، واختما كلامكما بالتعبير له عن محبتكما وتأكيدكما لهذه المحبة، حتى نفصِّل في ذهنه بين عقابنا وأن يُؤول هذا العقاب عنده إلى كراهية، وبالتالي لا يصل به إلى مرحلة اليأس، وليكن كلامك على شكل عبارات مقنعة بصوت حازم دون صراخ، وليس مجرد توبيخ، وشتم، وإحراج له "لغة الحنان الحازم"، وأيضًا وضِّحا له شعور الآخرين عن طريق سؤاله: (ماذا سيكون شعورك لو أخذ أحد فلوسك؟).
= مراقبة الطفل المستمرة ومعرفة مصادر الأشياء التي يحضرها من خارج المنزل، ومن أين أتى بها.
= ترتيب مصروف معتدل له ومُشْبع دون مبالغة في الإسراف أو التقتير؛ لأن كلاهما يؤديان إلى السرقة.
وأخيرًا.. أختي أركِّز مرة أخرى على ضرورة تدعيم ثقته بنفسه، وإشعاره أن عائلته هي الملاذ الآمن الذي لن يفقده مهما فعل، وأن يعطيه والده من وقته واهتمامه، ويعامله بصداقة، ورجولة، ويمنحه المساندة والعطف. أتمنى لكِ كل التوفيق ولولدك كل الاستقرار.
أعلى