|
| |
| أبناؤنا والإجازة الصيفية
بقلم: د. مصطفى شلبي
أحمدك ربنا حمد الشاكرين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له القائل في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (التحريم).. قال بعض السلف: "إذا سمعت يا أيها الذين آمنوا؛ فأرع لها سمعك؛ فإنه إما أمر تؤمر به، أو نهي تُنهى عنه".
وهذا الأمر من الله من أعظم الأوامر لعباده؛ إذ تظهر فيه رحمة ربنا- سبحانه- لعباده، ولطفه بهم، وأنه أرحم بهم من آبائهم وأمهاتهم؛ لذا قال علي- رضي الله عنه- في تفسيرها: "علموا أهليكم خيرًا"، وقال مجاهد: "أوصوا أهليكم بتقوى الله"، وقال قتادة: "مروهم بطاعة الله، وانهوهم عن معصيته".
وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم رسول الله القائل: "كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راعٍ ومسئول عن رعيته، والرجل راعٍ في أهل بيته ومسئول عن رعتيه، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راعٍ في مال سيده ومسئول عن رعيته، وكلكم راعٍ ومسئول عن رعيته" (البخاري- 853، 2416، 2419، 2600، 4892، 4904، 6719)، (مسلم- 1829)، (أبو داود- 2928)، (الترمذي- 1705)، (أحمد- 2/5، 54).
فالرجل راعٍ ومسئول عن رعيته، وهم زوجته وأولاده، نُذكِّر بهذا الأمر لخطورته في هذه الأيام، وخاصةً أننا على مشارف الإجازة الصيفية، والتي يضع كلٌّ من الآباء والأبناء تصوره لقضاء هذه الإجازة، فالآباء يتصورون الإجازة فرصةً لحفظ القرآن وتعلم مهارة أو حرفة، ومن الآباء مَن يجدها فرصةً للتحرر من مسئوليته تجاه أبنائه وترك الحبل على الغارب للأولاد يسهرون ويلهون ويلعبون ويجلسون الساعات العديدة أمام التلفاز أو الكمبيوتر أو الشبكة العنكبوتية، وقد تفرح الأم لانشغال البنات والأولاد عنها بالكمبيوتر والنت و... إلخ، وللأولاد تصورهم الخاص لقضاء الإجازه، وقد ألقوا عن عاتقهم همَّ المذاكرة والامتحانات، فيرون أن من حقهم أن يلعبوا ويلهوا ويسهروا ويصادقوا مَن يشاءوا، والحكمة المطلوبة من الآباء كيف تتلاقى رغبات الأبناء مع تصور الآباء لقضاء الإجازة.
خطورة الفراغ:
ليس هناك خطر يُداهم شبابنا وبناتنا كما يداهمهم الفراغ؛ ذلك أن الفراغ مفسدة.
إن الشباب والفراغ والجدة *** مفسدة للمرء أية مفسدة
فإذا أردت أن تعرف قيمة الأمة ومدى اهتماماتها، فانظر إليها في وقت فراغها ماذا تفعل وخطورة الفراغ تكمن في أنه:
1- يورث الملل والضجر.
2- يورث الكسل.
3- يورث الأخلاق السيئة.
4- يورث البحث عن طرق لإضاعة الوقت.
5 - يورث المعصية.
أيها الإخوة المسلمون.. أمر حين عودتي إلى بيتي ليلاً على مقاهي النت (السيبر) فأجدها مزدحمةً بالصبيان في المرحلة الابتدائية والإعدادية والثانوية والجامعية، وأمرُّ فجرًا فأجدهم لا يزالون يجلسون في أماكنهم؛ فأسأل نفسي أين آباء هؤلاء؟ أين أمهاتهم؟ ألم يذكروا قول نبيهم- صلى الله عليه وسلم-: "كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته"؟، وأتألم لحال شبابنا واهتماماتهم، وأتذكر قول الله عز وجل: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (الأنفال: من الآية 25)، فهؤلاء الصبيان يضعون أقدامهم على طريق الانحراف، وانحرافهم سيصيب كلاًّ منا ولن ينجوا منه أحد، فهلا تحركنا جميعًا لنتناصح كيف نوجه ونربِّي أبناءنا.
تفكرتُ ونظرتُ فلم أجد ما ننصح به أنفسنا وإخواننا خيرًا من موعظة لقمان لابنه، ونعلم أن لقمان وابنه ماتا ولقيا ربهما، ولكن الله جعلها وصية خالدة.. قرآن يُتلى نتعبَّد إلى الله بتلاوته، وسمَّى السورةَ باسم لقمان عليه السلام، وتكفَّل بحفظه حتى تصل إلينا؛ فننتفع بها في تربيتنا لأبنائنا، فلنعش في ظلال هذه الآيات البينات من سورة لقمان.
- وصية لقمان الحكيم لابنه:
﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (15) يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (16) يَا بُنَيَّ أَقِمْ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ (17) وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19)﴾ (لقمان).
ها هو لقمان عليه السلام يعظ ابنه؛ فهل نعظ أبناءنا، وكيف نعظهم وبمَ نعظهم.. فهيا بنا لنعلم ونتعلم من القرآن الكريم كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13)﴾ الله- عزّ وجلّ- في أول هذه الآية يبدأ بِذِكْر أول وصيةٍ أَوْصَى بها لقمان ابنه، ولا شك أن الإنسان إذا أراد أن يوصي بشيء يهتم في هذه الوصية بالشيء الذي يوصي به؛ لأن عنده شفقة وعنده رحمة على من يوصي له، فما بالك إن كان هذا الذي يَوَدُّ أن يوصي إليه الإنسان هو ابنه وَفَلْذَةَ كَبِدِه، لا شك أنه سيقدم إليه أفضل ما يجب، وأنفع ما يراه مناسبًا له، وهذا ما فعله لقمان- عليه السلام- قَدَّمَ لابنه وصايا عظيمة نافعة، تشتمل هذه الوصايا على جوانب ثلاثة:
الجانب الأول: الجانب العَقَدِي.
الجانب الثاني: الجانب العِبَادي.
الجانب الثالث: الجانب الأخلاقي.
ثم انظر- رحمني ورحمك الله- ماهية وكيفية النصيحة؛ حيث نرى لقمان ينادي ابنه بأحب النداءات وألطفها إلى قلبه (يا بني)؛ ما يجعله أكثر استعدادًا لتلقي الموعظة وتقبلها؛ فلنحذر النداءات الأخرى التي توغر الصدور وتنفر الأبناء.
الوصية الأولى:
بدأ لقمان بأهم هذه الجوانب على الإطلاق ألا وهو الجانب العَقَدِي الذي يتعلق بإفراد رب العالمين- سبحانه وتعالى- بالوحدانية، وعدم الإشراك به- جَلَّ في عُلاَه-؛ ولذلك كانت أول وصية وَصَّى بها لقمان ابنه قائلاً: ﴿يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ما الشرك؟ الشرك كما فَسَّرَه أهل العلم، وعلى رأسهم نبي الهدى والرحمة- صلى الله عليه وآله وسلم- كما في حديث ابن مسعود في الصحيحين وغيرهما: "أن تجعل لله نِدًّا وهو خلقك"، الشرك أن يجعل العبد لله شريكًا أو شبيهًا أو نظيرًا أو مساويًا، يعبده كما يعبد الله، أو يصرف له بعض أنواع العبادة من دون الله أو مع الله- تبارك وتعالى-، الشرك خطير وضرره خطير، وهو أخذ حق الله- عز وجل- ومنحه لمَن لا يستحق من المخلوقين المربوبين لرب العالمين- سبحانه وتعالى- وهو أعظم ذنب خالف فيه العبد ربه ومولاه، أعظم ذنب على الإطلاق يقع فيه الناس هو الشرك بالله تبارك وتعالى؛ لأن الشرك- كما ذكرت- هو أن تأخذ حق الله عزّ وجل الخالص الصافي الذي يجب أن يكون له وحده، ثم بعد ذلك تضعه أو تعطيه لغير الله- تبارك وتعالى-؛ ولذلك فالشرك من أعظم الذنوب على الإطلاق.
فأول وصية وموعظة إخواني في الله هي أن تُعلِّم ولدك معنى لا إله إلا الله وتعلمه ألا يسجد إلا لله، وألا يخاف إلا من الله، وألا يطلب إلا من الله، وأنه إن فعل غير ذلك فهذا هو الظلم العظيم لنفسه ووالديه ووطنه وأمته؛ لأن الذي يشرك بالله ولا يخاف من ربه ولا يراقبه؛ فمن السهل عليه أن يغشَّ في بيعه وشرائه وصنعته، من السهل عليه أن يختلس ويرتشي ويأكل أموال الناس بالباطل، من السهل أن يعقَّ والديه ويقطع رحمه ويأكل ميراث أخواته، ولعظمة الأمر وخطورته كانت هذه أول وصية.
ثم كانت الوصية الثانية بعد وحدانية الله الوصية بالوالدين:
﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ أي أمرناه بالإِحسان إِليهما لا سيما الوالدة ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾؛ أي حملته جنينًا في بطنها، وهي تزداد كل يوم ضعفًا على ضعف، من حين الحمل إِلى حين الولادة؛ لأن الحمل كلما ازداد وعظم، اِزدادت به ثقلاً وضعفًا، ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ أي وفطامه في تمام عامين، ﴿أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ أي وقلنا له: اشكر ربك على نعمة الإِيمان والإِحسان، واشكر والديك على نعمة التربية، ﴿إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ أي إِليَّ المرجع والمآب فأجازي المحسن على إِحسانه، والمسيء على إِساءته.
﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي وإِن بذلا جهدهما، وأقصى ما في وسعهما، ليحملاك على الكفر والإِشراك بالله فلا تطعهما، إذ لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصية الخالق ﴿فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ أي وصاحبهما في الحياة الدنيا بالمعروف والإِحسان إِليهما- ولو كانا مشركين- لأن كفرهما بالله لا يستدعي ضياع المتاعب التي تحمَّلاها في تربية الولد، ولا التنكر بالجميل.
فأمر الله- عزَّ وجلَّ- بالمصاحبة بالمعروف للوالدين إن كان كافرين بالله، ولم يجعل كفرهما مبررًا لإيذائهما، فما بالنا لو كان الأبوين مؤمنين موحدين لله، فالبر والمعروف أولى وأوجب والعقوق إثمًا وذنبًا عظيمًا.
الوصية الثالثة:
﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ أي واسلك طريق من رجع إلى الله بالتوحيد والطاعة والعمل الصالح، ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي مرجع الخلق إِلى الله فيجازيهم على أعمالهم.
فلقمان عليه السلام يُربي ولده أنه لا يستطيع أن يعيش وحده، ولكنه لا بد أن يكون اجتماعيًّا له صحبة، وكذلك يجب أن نربِّي أبناءنا يجب أن يتكون لهم صحبة في مدارسهم في جامعاتهم ومؤسساتهم التي يعملون بها، ولكن ما مواصفات هذه الصحبة ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ فليصاحب الذين أنابوا إلى الله العابدين له الملتزمين بقرآنه وسنة نبيه الذين يخافون ربهم، ويفعلون ما يأمرهم به وينتهون عن ما نهاهم عنه.
الوصية الرابعة:
قال تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾، أي يا ولدي إِن الخطيئة والمعصية مهما كانت صغيرة حتى ولو كانت وزن حبة الخردل في الصغر ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (16)﴾، أي فتكن تلك السيئة- مع كونها في أقصى غايات الصغر- في أخفى مكان وأحرزه، كجوف الصخرة الصماء، أو في أعلى مكان في السماء أو في الأرض يُحضرها الله سبحانه ويحاسب عليها، والغرض التمثيلُ بأن الله لا تخفى عليه خافية من أعمال العباد.. ﴿إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (16)﴾، أي هو سبحانه لطيف بالعباد خبير: أي عالم ببواطن الأمور.
ما أعظمها من وصية وما أحوجنا أن نربي أبناءنا عليها، أن نربيهم على مراقبة الله في السرِّ والعلن، وأن الله مطَّلع عليهم ناظر إليهم وشاهدهم في خلوتهم وجلوتهم، هذه التربية التي تحفظ وتعصم أبناءنا من ذنوب الخلوات ومن الانحراف السلوكي والأخلاقي؛ فيا له من مجتمع طاهر يتربَّى أبناؤه هذه التربية الطاهرة، هذه التربية هي الحل الوحيد للقضاء على الانحراف السلوكي والأخلاقي، والقضاء على الغش والرشوة والاختلاس.
الوصية الخامسة:
﴿يَا بُنَيَّ أَقِمْ الصَّلاةَ﴾ أي: حافظ على الصلاة في أوقاتها وبخشوعها وآدابها في بيوت الله التي تتراص أقدامهم عبادةً لله، مخلصين له وحده لا شريك له.
يقيم الصلاة التي تنهاه عن الفحشاء والمنكر، يتعلم من الصلاة وما يسمع فيها من قرآن أن الإسلام داخل المسجد وخارج المسجد؛ فهذه آيات تتحدث عن البيع والشراء، وهذه عن الدين، وتلك عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتلك عن قتال الأعداء وعقد المعاهدات، وهذه عن حقوق الأزواج والأبناء، وهكذا يفهم دينه فهمًا شاملاً صحيحًا.
الوصية السادسة:
﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ أي: وأمر الناس بكل خير وفضيلة، وانههم عن كل شر ورذيلة ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ أي: اصبر على المحن والبلايا؛ لأنَّ الداعي إِلى الحق معرَّض لإِيصال الأذى إِليه، ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ أي: إِن ذلك المذكور مما عزمه الله وأمر به، قال ابن عباس: "من حقيقة الإِيمان الصبر على المكاره".
يا لها من وصيةٍ عظيمة تُربِّي الأبناء على الإيجابية، وتقتل في نفوسهم السلبية البغيضة المهلكة للنفس وللمجتمع.
يا بني! لتكن إيجابيًّا في مدرستك وجامعتك ومعهدك العلمي، ولتشارك في الأنشطة النافعة لنفسك وزملائك ووطنك، وإياك أن تسكت عن منكرٍ تراه، ولتنه عنه بأخلاق المسلم وأدب النصيحة، وإياك أن تبخل على زملائك ومن في محيطك بمعروف تأمر وتنصح به.
ما أحوج الذين يأمرون وينصحون أبناءهم بالسلبية (والمشي بجانب الحيط ولو استطاعوا لأمروهم بالسير داخل الحيط)، نقول ما أحوج هؤلاء لهذه الموعظة الربانية.
الوصية السابعة:
﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ أي: لا تُمِل وجهك عنهم تكبُّرًا عليهم، قال القرطبي: أي لا تمل خدك & |
|
|
| |
| مقاصد الشريعة والاعتدال
بقلم: وصفي عاشور أبو زيد
للتعمُّق في فهم مقاصد الشريعة دور كبير في التوجه نحو التوسط والاعتدال والتوازن في كل القضايا العلميَّة والفكريَّة، فمن شأنها أن تضبط حركة التفكير، وتقارب بين وجهات النظر، وتقلل مساحة الخلاف، وتعطي أفقًا رحيبًا للباحث، والفقيه والمفتي، والمجتهد عند بحث القضايا المستجدة المندرجة تحت مسألة معلومة المقصد والغاية.
فقه مقاصد الشريعة
وممَّا ينبغي أن يُعلم هنا أنَّ من مقاصد الشريعة الكبرى ومفاهيمها التأسيسيَّة: العمل على حفظ الأمن العام، وإرساء دعائمه في المجتمع، والضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه أن يُفكِّر في تقويضه أو تبديده أو تهديده؛ ولأجل هذا حرَّم الله تعالى الجرائم الكبرى، مثل: الحرابة، والسرقة، والقذف، والقتل، وغيرها، وشرَّع لها ما يُردع مرتكبيها، أو من يفكر في ارتكابها، مثل: حد الحرابة، وحد السرقة، وحد القذف، والقصاص، وغيرها.
ومن المقاصد الكليَّة التي يجب أن تُعلم هنا ويتم التأكيد عليها، والتشديد فيها: إنَّ النفس وحرمتها أمر خطير في شريعة الله، وأنَّ من أحياها فكأنَّما أحيا الناس جميعًا، ومن قتلها بغير حق فكأنَّما قتل الناس جميعًا، وكذلك حفظ المال وخاصةً المال العام، وحفظ النسل والعقل والدين والعرض.
وفي هذه الجرائم وعقوباتها جاء القرآن حاسمًا، ففي الحرابة يقول الله تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32) إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33)﴾ (المائدة).
وفي السرقة: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38)﴾ (المائدة).
وفي القصاص قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179)﴾ (البقرة).
وفي القذف قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ (19)﴾ (النور).
ومن المفاهيم الكبرى والمقاصد العليا: إيجاد الحريَّة والحفاظ عليها، ونشر العدالة، وتحقيق المساواة، وإشاعة التسامح، وكل الأخلاق والمبادئ الإنسانية التي اتفقت عليها البشرية، وتواضعت عليها الإنسانيَّة.
ففي الحرية وبخاصة حرية العقيدة يقول القرآن: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (البقرة: من الآية 256).
وفي العدالة يقول: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (الحديد: من الآية 25).
وفي الأخلاق يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنَّما بُعثت لأُتمِّم مكارم الأخلاق" (1).
ولقد وجدت هذه المبادئ والمقاصد سبيلها التطبيقي في سير الخلفاء الراشدين، ومن سار على دربهم، ومدونات الحضارة الإسلامية مليئة بوقائع تمت فيها مراعاة هذه المقاصد، وتلك المبادئ والمفاهيم الكبرى، لا سيما في معاملة الأمم الأخرى حال السلم أو الحرب.
وحسبنا هنا ما قاله "جوستاف لوبون" في كلمته التي طبقت الآفاق: "فالحق أنَّ الأمم لم تعرف فاتحين متسامحين مثل العرب، ولا دينًا سمحًا مثل دينهم" (2)، فلم يُكره أحدًا على اعتناق شيءٍ، ولا أسال دماء بغير حق، بل كان حريصًا عليها كل الحرص، وقد تمثلت الرحمة وقيم الإنسانيَّة في الحرب كما تمثلت في السلم سواءً بسواءٍ، وهذه القيم ـ قيم العدل والتسامح والمساواة- هي التي أدى انتشارها إلى انتشار الإسلام، واعتناق الناس له طوعًا دون أدنى إكراه.
فقه مقاصد الجهاد
وإذا كان الجهاد والغلو في فهمه وتطبيقه هو البوابة الرئيسة لأعمال العنف، وسلوكيَّات التطرف، ممَّا له الأثر الكبير على زعزعة الأمن وتهديد دعائم النسيج الوطني، فإنَّنا نكون بحاجة إلى وقفة أمام مقاصد الجهاد حتى تتجلى صورته، وتظهر أغراضه وغاياته ومقاصده.
وصفي عاشور أبو زيد
فللجهاد عند المسلمين مكانة كبيرة؛ فهو ذروة سنام الإسلام، وارتبطت به عزة المسلمين في كل العصور، ولقد امتازت فلسفته في الإسلام عن الديانات والمذاهب والأفكار الأخرى، سواء كانت سماويَّة أو أرضيَّة، فقد ربطه القرآن الكريم والسنة النبوية بأنَّه "في سبيل الله"، ومعنى ذلك أنَّه ليس لإشباع رغبات بشريَّة دنيئة، أو للتشفي وتفريغ مشاعر إنسانيَّة ذميمة، أو تحقيق مصالح شخصيَّة فاجرة، وإنَّما هو لبلوغ مقاصد شرعيَّة نبيلة، وتحقيق أهداف إنسانيَّة عظيمة، حددها الشارع الحكيم، ونصبها أمام القائمين به؛ وذلك لكي يكون "في سبيل الله" لا في سبيل غيره، ولتكون كلمة الله هي العليا، وتسعد البشرية في ظلال الإسلام العظيم.
وحين نتحدث عن مقاصد الجهاد هنا لا نعني به الجهاد بمفهومه الشامل الذي يشمل جهاد النفس وجهاد المنافقين وجهاد الشيطان، والأنواع الأخرى من الجهاد التي ذكر العلماء منها أكثر من ثلاثة عشر نوعًا، وإنَّما نعني به معناه المباشر وهو القتال، ولأن الغلو في هذا المعنى هو الذي جر الوباء والوبال على البشرية كلها عن طريق أحداث العنف والتفجيرات التي تحدث في عواصم عربية وغربية.
وعند التأمل في أحكام الجهاد- وتدابيره الشرعية التي شرعها الإسلام بنصوصه الشرعية الشريفة وبالتطبيق العملي لهذه النصوص- وجدنا أنَّ الله شرعه لمقاصد، وأوجده لأهداف وحكم وآثار، يمكن عند التأمل أن نقسمها إلى قسمين: مقاصد وآثار لازمة أو فرديَّة، ومقاصد وآثار متعديَّة أو جماعيَّة.
ونعني بالمقاصد والآثار الفرديَّة أو اللازمة التي تتحقق للفرد وتعود على ذاته ولا تروم غيره، ومن ذلك:
1- نيل الدرجات والفوز بمرتبة الشهادة.
2- إصلاح النفس.
3- ابتلاء المؤمن وتمحيصه.
4- ابتغاء مرضاة الله تعالى.
أما المقاصد والآثار الجماعية، أو المتعديَّة فهي التي يتجاوز نفعها الفرد إلى المجتمع والأمة والبشريَّة كلها، باعتبار الإسلام دينًا للإنسانيَّة جميعًا.
1- تخليص المستضعفين، وتحرير الناس ورفع الظلم عنهم.
2- حماية الدين ومنع الفتنة.
3- بسط قيم الإسلام ونشر هدايته.
4- حفظ حريَّة الاعتقاد ودُور العبادة، وممارسة الشعائر.
5- حفظ الأمن العام.
6- تحقيق التمايز في صفوف الأمة (3).
خطورة إهمال فقه المقاصد
إذا لم نراع هذا الفقه سواء المقاصد عامة، أو مقاصد الجهاد خاصة، فسوف نوقع أنفسنا ومجتمعاتنا في مخاطر وأزمات وبلاء كبير وشر مستطير.
ومن هذه المخاطر:
1- قصور في الفهم والرؤية للقضايا التي تُعرض وتُتصور.
2- التحجُّر والتشدُّد والتنطُّع في الفهم والسلوك.
3- توسيع هوة الخلاف لا سيما في القضايا الخلافيَّة.
4- إظهار الشريعة على أنَّها قانون تاريخي، دون القدرة على التفاعل مع النوازل المعاصرة.
5- التهوين من أمر النفوس البشريَّة والأرواح، والإقدام على إتلافها دون مبالاة.
6- نشر الفتنة وزعزعة أمن المجتمعات.
7- إرهاق الدولة بمعالجة قضايا جانبية عن التخطيط المستقبلي والتنموي.
8- تخريب مؤسسات المجتمع وإتلاف المال العام.
ثمار مراعاة فقه المقاصد
ومن شأن المعرفة والتفقُّه بمقاصد الشريعة، ومقاصد الجهاد أن يؤتي ثمارًا عظيمة، وينتج نتائج مهمة، ومن ذلك:
1- تلافي كل السلبيات السابقة الناتجة عن إهمال هذا الفقه.
2- فهم النصوص ومقتضياتها على ما أراده الشارع منها.
3- ضبط حركة التفكير والانتقاء في التعامل مع تراثنا قديمًا وحديثًا بما يمنع من الانحراف.
4- يتمثل للشباب المسلم- فضلاً عن العلماء- أفق شرعي رحيب، ومشروع يعصمهم من الوقوع في براثن العنف، ومهاوي التطرف على مستوى المدارسة والممارسة.
5- ترشيد الخطاب الدعوي الذي يؤدي بدوره لترشيد عقل الأمة الإسلاميَّة الخادم لصحوتها.
6- الوقاية من أحداث المتفجرات والعنف التي تقع هنا وهناك.
7- تصحيح الصورة الذهنيَّة، والنمطيَّة عن الإسلام والمسلمين لدى غير المسلمين.
8- ترغيب غير المسلمين في الإسلام.
ولأجل تحقيق هذه المقاصد نحتاج إلى جهد كبير، سواء على مستوى المدارسة أو مستوى الممارسة، فإنَّ تغيير الفكر يحتاج لوقت طويل، وتغيير النفوس يحتاج لوقت أطول، والزمن جزء من العلاج، لكن ذلك أفضل- بلا شك- من التمادي فيما نعاني ونشكو منه..!.
-------------
* الحواشي:
(1) قال العجلوني: "رواه مالك في الموطأ بلاغًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عبد البر: هو متصل من وجوه صحاح عن أبي هريرة وغيره، ومنها ما رواه أحمد والخرائطي في أول المكارم بسند صحيح عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ "إنَّما بعثت لأتمم صالح الأخلاق". كشف الخفاء: 1/211. دار إحياء التراث العربي.
(2) حضارة العرب: 719. ترجمة عادل زعيتر. دار إحياء التراث العربي. بيروت. طبعة ثالثة. 1399هـ/1979م.
(3) راجع في تفصيل ذلك كتابنا: الجهاد في سبيل الله... مقاصد وآثار. لم يُنشر بعد.
-----------
** الباحث الشرعي بالمركز العالمي للوسطيَّة- الكويت. |
|
الإسلام هو الصخرة العاتية
|
| الإسلام هو الصخرة العاتية |
| الإسلام هو الصخرة العاتية التي عرف عنها الأعداء الكثير، وهو اليوم يخيفهم ويؤرقهم، ويخشون أن يشعل في أبنائه نور الحياة من جديد.
المنافع التي يشهدها المسلمون في الحج ليست قاصرةً على الأمور القريبة؛ بل هناك ما وراء ذلك ما هو أكبر وأشمل، إنها اليقظة الضخمة التي يولدها ذلك الحداء العظيم في الحج: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك...".
كتب أحد المبشرين عن العقبات التي تقف في طريقهم وتحول بينهم وبين الوصول إلى تضليل المسلمين فقال: "سيظل الإسلام صخرةً عاتيةً تتحطم عليها سفن التبشير النصراني ما دام للإسلام هذه الدعائم الأربع:
1- القرآن
2- والأزهر
3- واجتماع الجمعة الأسبوعي
4- ومؤتمر الحج السنوي".
|
|
|